توضيح من إياد بستاني حول مسألة الفدرالية – 27/6/2026
سمعنا ناس عم يطلعوا يحكوا عن «عيوب» المشروع الفيدرالي ويعطوا أمثلة، وهيدي فرصة لنوضّح النقاط اللي بركي ما بيعرفوها أو بيفتكروا إنّه فيها إشكاليات جوهرية.
أوّلاً — «territorialité du droit»: إذا أنا من القاع أو من القبيات، وعم نازل على بيروت، وبعمل حادث سير بطرابلس — شو بصير؟ الجواب بسيط: مبدأ la territorialité du droit public يعني الجغرافيا — القانون الكانتوني والقانون المحلّي (البلدي) بيسري على مين ما كنت وشو ما كنت، وهيك بكلّ بلدان العالم (ألمانيا، سويسرا، إسبانيا، حتى أميركا).
بس لنغوص أعمق: الشخص اللي بيطرح هالهاجس مش خايف من حادث سير — هو خايف إنّه يكون القانون اللي بيُطبَّق بطرابلس مجحفاً بحقّ ابن القبيات، لأنّه بينتمي لكانتون تاني. وعلى هالشغلة في جوابين: (1) بالنظام الفيدرالي، اللي على طريق فيدرالية بيتنقّل من كانتون لكانتون ما بيُطبَّق عليه إلّا القانون الفيدرالي. (2) للّي عم يكسر بالمشروع الفيدرالي ليخلّينا بالدولة المركزية، بدنا نقول له: إنت خايف إنّه إذا نزلت على طرابلس «يتربّى عليك» قانون طرابلس المجحف؟ بركي بصير بحقّك. بس نحن خايفين إنّه إذا ضلّينا بالدولة المركزية، قانون طرابلس هو اللي بيُطبَّق بالقبيات — لأنّ الديموغرافيا ما بترحم، واللي عنده الديموغرافيا الأكبر بيطبّق قانونه على كلّ الأراضي. بالنظام الفيدرالي، على الأقلّ القبيات بيكون عندها قوانينها لتحميها.
الفيدرالية هي زواج، مش طلاق — بس مش زواج محبّة، هو زواج مصلحة وتوازن رعب: لمّا بكون مجحفاً بحقّك، بتكون مجحفاً بحقّي، فكلّ واحد بدّه يكون عنده القدرة والسلطة الفعلية. مثل ما قال ديغول (le glaive et le droit): إذا بدّي احترام، لازم يكون عندي السلطة الكافية لفرضه، ولازم أتقبّل بالمقابل احترام حقوق المواطن الكانتوني تبع غيري. كلّ واحد من الأربع سرديّات عنده «فريق» وقدرة على الآخر، فيا منمشي مع بعض بـbonne intelligence، يا منضلّ بصراعات وخيمة — بس على الأقلّ كلّ واحد عنده القدرة يقرّر شو بدّه لولاده ومستقبله، عكس الدولة المركزية اللي هي، مثل ما قال توكفيل، tyrannie des 51% : اللي معه الأكثرية بيحكم الجميع.
وعرفنا شو صار بكلّ بلدان الشرق: بتركيا، البلد العلماني «بامتياز»، لمّا استلم أتاتورك سنة 1923 كان المسيحيون يفوقون 24–25% من البلد؛ اليوم صاروا 0.2% — كلّه تحت نظام علماني ديمقراطي يطبّق ديكتاتورية الـ51%.
ثانياً — الطبابة: إذا أنا رايح من القاع على بعلبك وصار معي عارض صحّي، شو بصير إذا وصلت عالمستشفى وورقة الضمان (الأسورنس) تبعي مش ماضية عقد مع هالمستشفى؟ عم يسخّفوا قضيّة الفيدرالية لتصير قصّة عقد بينعمل بخمس دقائق ويحلّ كلّ هالأمور — تماماً مثل ما هي بكلّ بلدان العالم.
ثالثاً — البنى التحتية («بدنا نمدّ كبلات لرمَيش؟»): الناس ما بيعرفوا شو يعني principe de subsidiarité، ولا شو يعني localism، ولا شو يعني multi-order scaling up (الحوكمة التصاعدية). ما حدا رح يمدّ كبلات من جونية لرمَيش: رمَيش بتقرّر إذا بدها تعمل كهربتها لحالها أو تتضافر مع الضيع الشيعية والسنّية اللي حواليها. البنى التحتية الصلبة (hard infrastructure) — الكهرباء، الاتصالات، الإنترنت، الصرف الصحّي، المي — ما عندها هوية ولا دين ولا حضارة؛ البلديات، من تحت لفوق، بتقرّر كيف تضافر جهودها لتوصل للـeconomic scale اللي بيخلّي الاستثمار مجدياً ومستداماً (بلديتين للصرف الصحّي، سبعة لمعمل كهرباء…) — بسمّوها scaling up multi-ordre à géométrie variable.
أمّا البنى التحتية الناعمة (soft infrastructure) — القوانين، الثقافة، le maintien des religions — فهي اللي بتجمع الناس اللي بينتموا لثقافة وحدة: أنا ابن دير القمر وابن بعقلين ما فينا نكتب نفس كتاب التاريخ، لأنّ عنّا قراءات مختلفة ونروي تاريخ شعوب مختلفة؛ بس أنا وابن القبيات وابن رمَيش منكتب نفس كتاب التاريخ، وكلّنا منتضافر لندفع حقّه. ما فيني اطلب من جاري الدرزي — اللي ساكن على بعد ثلاث دقائق بالسيارة — يدفع كرمال أكتب تاريخ الموارنة أو تاريخ مسيحيّي الشرق؛ هو بيدفع حقّ سرديّته، وأنا حقّ سرديّتي.
أخيراً — سويسرا: بيقولوا «سويسرا فيدرالية جغرافية». الفيدرالية السويسرية والألمانية والكندية كلّها مبنية على الإرث الثقافي للشعوب. مثال ما بتعرفوه بس إذا فتّشتم عليه بتلاقوه: سنة 1975 كان في نوع من «حرب أهلية» بمنطقة اسمها موتييه (Moutier) — بسمّوها «Belfast السويسرية» — بين كاثوليك وبروتستانت، حطّوا قنابل بالسيارات… لحتى قرّروا يحلّوا المشكل بالاستفتاء. أوّلاً أهل الجورا (Jura) قرّروا ينفصلوا عن كانتون برن ويعملوا كانتون Jura. الفرنكوفون الكاثوليك والبروتستانت بقيوا سوا مع برن رغم إنّهم كلّهم فرنكوفون — فما إلها معنى لا باللغة ولا بالعرق: قصّة دينية بحتة. وبقيت موتييه، فعملوا استفتاء سنة 2019: الكاثوليك صاروا الأكثرية وصوّتوا ليصيروا مع Jura وينفصلوا عن برن — رغم إنّ برن هي العاصمة ومن أغنى الكانتونات، وJura من أفقرها. رغم إنّ الكلّ «قليل بيروح على الكنيسة»، الكاثوليك صوّتوا مع الكاثوليك والبروتستانت مع البروتستانت: يعني الهوية هي اللي حدّدت مين بيروح لوين. في أولوية عند الشعوب قبل الأكل: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان — أولويته هويته، وبعدين بيجي كلّ الباقي.
إذا بدكم تتعرّفوا أكثر على الفيدرالية الإثنو-جغرافية، رح أحطّ الرابط بالتعليقات.
