بقلم Mark M. Shdeed – Medium.com – 11/10/2026
لا تكمن أزمة لبنان في تعدّد هوياته بحدّ ذاته، بل في عجز نظامه السياسي عن إدارة هذا التعدّد ضمن دولة تضمن المساواة والحرية والاستقرار. فمنذ قيام دولة لبنان الكبير عام 1920، تتكرر الأزمات الدستورية والسياسية والاقتصادية، وتتجدد الخلافات حول هوية الدولة واتجاهاتها وصلاحياتها، فيما تتحوّل المنافسة على السلطة إلى صراع بين الجماعات على حماية وجودها ومصالحها. ومن هنا يبرز السؤال: هل يتطلّب بناء الدولة الاتفاق مسبقاً على هوية وطنية واحدة، أم يمكن تأسيس المواطنة على عقد دستوري مشترك يعترف بالاختلاف وينظّم العلاقة بين مكوّنات المجتمع؟
يقتضي فهم الأزمة اللبنانية التمييز بين الهوية بوصفها انتماءً تاريخياً وثقافياً، والمواطنة بوصفها إطاراً سياسياً وقانونياً ينظم العيش المشترك. فاللبنانيون يختلفون في تعريف هويتهم وانتماءاتهم الحضارية؛ فمنهم من يرى لبنان امتداداً للعالم العربي، ومن يربطه بالفضاء المتوسطي أو بالإرث الفينيقي والمشرقي المسيحي، ومن يعطي الأولوية لانتمائه العربي والإسلامي، فيما يرى آخرون أن تجاوز الطائفية السياسية هو المدخل إلى بناء الدولة. ولا ينتقص الاعتراف بالعروبة من خصوصية من لا يتماهى معها، كما لا يبرّر الاعتزاز بإرث حضاري آخر إنكار انتماءات الآخرين. فالمطلوب ليس فرض تعريف واحد للرواية الوطنية، بل إرساء الاعتراف المتبادل، بحيث لا تتحوّل هوية جماعة إلى معيار للحكم على لبنانية الآخرين.
فالهوية العضوية انتماء يتشكّل عبر الزمن من الذاكرة التاريخية والثقافة واللغة والتقاليد والمعتقدات والروابط الاجتماعية والتجارب المشتركة. وهي ليست حقيقة جامدة، ولا اختياراً سياسياً عابراً يمكن إعادة تشكيله وفقاً لحاجات السلطة. وقد تتفاعل الهويات وتتطوّر وتتداخل من دون أن تفقد جذورها، خصوصيتها واستمرارها. أما المواطنة، فلا تتطلّب تطابق اللبنانيين في هوياتهم، بل اتفاقهم على قواعد دستورية مشتركة تضمن المساواة أمام القانون وحرية الاعتقاد والتعبير والمشاركة السياسية. وبذلك، تصبح المواطنة التعاقدية إرادة للعيش المشترك، لا مشروعاً لصهر المجتمع في هوية واحدة.
يبدأ الخلل حين تجعل الدولة المواطنة مشروطة بتبنّي رواية ثقافية أو حضارية واحدة، سواء كانت عربية أو فينيقية أو غيرها، حتى عندما يُقدَّم ذلك تحت شعار الوحدة الوطنية أو تجاوز الطائفية. فالدولة لا تحتاج إلى جعل اللبنانيين متشابهين، بل إلى ضمان حقوقهم وحرياتهم وتأمين مشاركتهم في مؤسسات تحميهم من التهميش والاحتكار. ويستند الوجود المجتمعي إلى الهوية والحرية والأمن: الهوية تصون الاستمرارية الثقافية، والحرية تتيح للأفراد والجماعات ممارسة خصوصياتهم وإدارة شؤونهم، والأمن يحمي السلم الداخلي والسيادة والعلاقات السلمية مع المحيط. وعندما تتركّز السلطات في مركز واحد، تخشى الجماعات أن تؤدي خسارتها السياسية إلى تهميشها أو تهديد مصالحها، فتتحوّل المنافسة الديمقراطية إلى معركة لحماية الوجود. لذلك، لا تكفي الديمقراطية العددية أو التوافقية وحدهما من دون ضمانات دستورية تحدّ من احتكار القرار.
من هنا، تبرز الفدرالية الإثنو–جغرافية بوصفها مقاربة دستورية محتملة لتنظيم التعدّد، عبر توزيع الصلاحيات بين حكومة اتحادية ووحدات تتمتع بالحكم الذاتي ضمن دولة واحدة. والمقصود ليس تفكيك لبنان أو تصنيف مواطنيه وفق أصول مفترضة، بل الانتقال من وحدة سياسية يُفترض فيها التجانس إلى وحدة دستورية تعترف بالتعدّد وتديره بمؤسسات واضحة وشفافة.
غير أن المجتمع اللبناني متداخل جغرافياً واجتماعياً، ولا يتكوّن من جماعات منفصلة أو مناطق متجانسة بالكامل. فقد تراكمت بين اللبنانيين علاقات عائلية ومهنية وتجارية ومصالح مشتركة تتجاوز الانتماءات الطائفية. لذلك، لا ينبغي أن تقوم الفدرالية على إنشاء مناطق مغلقة أو رسم حدود تعزل المواطنين، بل على مراعاة الخصوصيات والتوزّع الجغرافي مع الحفاظ على الروابط الوطنية. فالكانتون ليس وطناً منفصلاً ولا ملكية حصرية لجماعة، بل وحدة للحكم والإدارة ضمن دولة واحدة.
وتتيح الفدرالية، إذا صُمّمت بما يناسب الواقع اللبناني، توسيع المشاركة في الحكم وتمكين الوحدات الاتحادية من إدارة شؤونها المحلية، والحدّ من مخاطر التهميش وتحويل جماعات إلى أقليات دائمة داخل وحدات لا تعكس واقعها. وفي المقابل، ينبغي أن يكفل الدستور الاتحادي حرية الإقامة والتنقّل والعمل والتملّك، والمساواة في الحقوق والواجبات في جميع أنحاء البلاد. كما يجب حماية الأقليات داخل كل وحدة، وضمان حرية المعتقد واللغة والتعبير، ومنع استخدام الحكم الذاتي لفرض تجانس ديني أو ثقافي جديد.
ولا ينبغي أن تتحوّل الخريطة الفدرالية إلى حدود مقدّسة أو ثابتة، بل يجب أن تبقى قابلة للمراجعة والتطوير من خلال آليات دستورية وسلمية تراعي التحوّلات الاجتماعية والديموغرافية. فالفدرالية الناجحة لا تجمّد المجتمع ضمن تقسيمات جامدة، بل تتيح له التطوّر والتكيّف، من دون أن يتحوّل الاختلاف إلى صراع يهدّد استقرار الدولة ووحدتها.
ولا يمكن استنساخ نموذج فدرالي أجنبي وتطبيقه آلياً على لبنان، بل ينبغي تطوير صيغة تنطلق من خصوصياته. غير أن التجربة الإماراتية ارتبطت بالخصوصيات القبلية والمناطقية التي أسهمت في قيام الاتحاد، فيما حافظت الفدرالية الألمانية على الهويات التاريخية وأما التجربة السويسرية، فقد رسخت التنوع الثقافي والديني. لكن هذه التجارب تطرح سؤالاً مشروعاً: لماذا يتمسّك لبنان بالمركزية رغم أنه يجمع كل هذه العوامل؟ أليس الأجدر به تطوير صيغة دستورية تنطلق من ظروفه الاجتماعية والجغرافية والتاريخية، وتوازن بين الحكم الذاتي والمصلحة الوطنية المشتركة؟
إن الفدرالية ليست ضمانة تلقائية للاستقرار، ولا يكفي الاعتراف بالتنوّع لتحقيق المواطنة. فنجاحها يتطلّب توزيعاً واضحاً للصلاحيات، وقضاءً مستقلاً، وآليات عادلة لتقاسم الموارد، وضمانات تمنع التمييز والهيمنة داخل الوحدات الاتحادية وبينها. كما يتطلّب مؤسسات اتحادية تحمي السيادة المشتركة وتضمن وحدة الدولة.
في المحصّلة، لا تكمن المسألة في الاختيار بين الوحدة والتنوّع، بل في بناء نظام يوفّق بينهما: وحدة في الدولة والسيادة، وتعدّد في الهويات، وتوزيع دستوري للصلاحيات يتيح للجماعات إدارة شؤونها من دون إخضاع الآخرين. فالوحدة الوطنية لا تستلزم صهر الهويات في هوية واحدة، والتنوّع لا يستلزم التجزئة، والحكم الذاتي لا يعني الانعزال، والمواطنة لا تقتضي محو الذاكرة التاريخية.
إنّ التحدّي الحقيقي أمام لبنان هو بناء دولة قادرة على استيعاب تعدّد أبنائها وتنظيمه، بحيث يصبح الاختلاف أساساً للتعايش والتعاون والمشاركة، لا سبباً دائماً للصراع. وقد تشكّل الفدرالية المجتمعية جسراً نحو مواطنة تحمي الحرية والمساواة، وتحقّق الوحدة من دون تماثل، والتنوّع من دون تقسيم، والسيادة المشتركة من دون إخضاع ، بحيث يصبح الاختلاف أساساً منظّماً للتعايش والتعاون والمشاركة تحقيقا للمواطنة الحقيقية، لا سبباً دائماً للصراع.
