ما هي الرسائل التي أراد الفاتيكان — والبابا شخصياً — إيصالها عبر هذه المحطات؟ بدأ بالمحطة عند القديس شربل. زيارة البابا لمار شربل أكثر من مجرد رسالة روحية؛ إنها، إذا شئت، أيقونة. مار شربل يعكس الوجدان الماروني والهوية اللبنانية، وهو يتمحور حول ثلاث نقاط: الصلاة، والحرية، والأرض.
كان مؤثراً سجود البابا أمام ضريح مار شربل. وكنت دائماً أفكّر: ماذا يمكن أن يكون الحوار الذي دار بينهما؟ وإذا رجعنا قليلاً في الزمن إلى الوراء، كان مار شربل في أيامه شخصاً منسياً، وربما إلى حدٍّ ما منبوذاً بين الجماعة الرهبانية وبين الناس؛ ما كان أحد يعرفه أو يسمع به. كان رجلاً صامتاً، قرّر أن يعتزل ويبتعد عن العالم حتى قبل رهبنته. ويُحكى أن أصدقاءه كانوا يتنمّرون عليه — وهذا ما تأثّر به البابا في كلمته — إذ يقول إن هذا الشخص عاش الصمت، ورغم ذلك وصل إلى العالم.
والأكثر تأثيراً أن يوم دفن مار شربل، يوم وفاته، كان يتزامن مع دفن البطريرك في ذلك الوقت، الذي لا أحد منا اليوم يعرف اسمه أو يتذكره. لكن بعد مرور السنين، كلّنا نتذكر مار شربل، والعالم كله يتحدث عنه، ولا أحد يتذكر البطريرك. فهذا الراهب المنبوذ، الذي صادف يوم دفنه أن لا أحد حضر، والذي تُرك ليس فقط في حياته بل حتى في مماته، يأتي إليه اليوم رئيس الكنيسة الكاثوليكية، بابا روما شخصياً، ليدخل إلى ديره وضريحه ويسجد هذه السجدة. أعتقد أن هذه المشهدية وحدها كافية لتختصر كل زيارة البابا إلى لبنان.
