تاريخ الدول أثبت أنّ الدول اللي قدرت تنعم بالاستقرار وتتحضّر وتتطوّر، دستورها بيكون مرآة لتركيبتها الاجتماعية. لبنان بلد متعدّد الثقافات، ما بيمكن يكون عنده سلطة مركزية. بالعالم في 26 بلد نظامها فيدرالي، وكلّها مجتمعاتها متعدّدة الثقافات؛ ومن هالـ26 حوالى 21 أو 22 منهم عم ينعموا بالاستقرار، وهي دول متحضّرة: كندا، الولايات المتحدة، البرازيل، سويسرا، بلجيكا، النمسا، الإمارات، ألمانيا. كلّها مرقت بحروب وتناحرات بين المجموعات المكوّنة لها، وبالنتيجة ارتقت لمّا قعدوا سوا وقرّروا يشتغلوا على مشروع مشترك.
كلّ يلّي انحكى من أوّل الحلقة لليوم ما هو إلّا تداعيات للمشاكل اللي عنّا. نحن بتجمّع «اتحاديون» تقريباً 50 شخص، من 20 أو 25 سنة عم نحاول نلاقي حلول للمشاكل اللي عم يواجهها الشعب اللبناني — الطبابة، الكهرباء، الفساد… ومن سنتين تلاتة وصلنا لقناعة إنّه نحن عم نلاقي حلول لتداعيات المشكلة، بينما جذر المشكلة هو النظام السياسي المركزي، اللي بلّش من دستور 1926. الطائف كمان منه مشكلة: ما هو إلّا تعديل لدستور 1943، اللي هو أصلاً تعديل لدستور 1926.
لبنان اللي بنعرفه اليوم أُنشئ سنة 1920 — ومين كان عم يساعد بوضع دستوره؟ الفرنسيّون، وتفكيرهم مركزي لأنّه عندهم دولة مركزية. جابوا لنا دستور الجمهورية الفرنسية الثالثة وقالوا: «استوحوا منه». نحن سنة 1920 ركّبنا بلداً متعدّد الثقافات — تقريباً 55–56% مسيحيين، 20% شيعة، وحوالى 7% دروز — وقتها كان لازم يُوضَع دستور لامركزي؛ وأنا دايماً بقول إنّ الفيدرالية هي أسمى مظاهر اللامركزية.
اللي صار إنّه المسيحيين، والموارنة بالتحديد، كانوا طالعين من متصرفية جبل لبنان اللي كان فيها تقريباً 81% مسيحيين (منهم 60% موارنة)، ومعتبرين حالهم منتصرين، وبدّهم يعملوا بلداً يحميهم. فما بس عملوا دستوراً لسلطة مركزية، عملوا دستوراً رئاسياً: أخذوا كلّ السلطة وحطّوها بإيدهم — وهذا خلّى المجموعات الأخرى تحسّ بغبن.
من 1943 لـ1975 كانت الفترة اللي أثّر فيها المسيحيون والموارنة أكثر شي على لبنان، بس كان في مجموعات تانية مش مرتاحة… والبرهان إنّه سنة 1958 صار في حرب أهلية (5000 قتيل)، وبعدها 1969، ووصلنا لـ1975. من 1975 لـ1990 كانت الحرب، وبالتسعين عملنا دستوراً جديداً — بس عدّلناه لسلطة مركزية لبلد متعدّد الثقافات، من جديد.
فترة 1990–2005 كانت فترة الرئيس رفيق الحريري (الله يرحمه)، وهو كان أكثر شي مؤثّر على تطوّر البلد لأنّها كانت فترة إعمار. سنة 2005 اغتيل الحريري، ومن 2006 لليوم البلد بفترة مسيطر أو مؤثّر عليها حزب الله / المجموعة الشيعية. يعني: أوّل 32 سنة (1943–1975) تأثير مسيحي ومجموعات تانية مش مبسوطة؛ ومن 1990 لليوم 32 سنة تأثير شيعي. والقاسم المشترك بين المرحلتين هو السلطة المركزية نفسها.
خلّيني أختم بالطائف: ليش الطائف سيّئ؟ لأنّه انتقلنا من نظام رئاسي (رئيس جمهورية) إلى نظام برأسين تلاتة. الطائف جرّد الرئيس المسيحي من صلاحياته وما أعطاها لرئيس الحكومة السنّي، فصار عندنا عدم توازن: السلطة التنفيذية موزّعة على مجلس وزراء من 24–30 وزير، ومجلس النواب قوي، ورئيس المجلس قوي.
الخلاصة: الدستور لازم يكون مرآة للتركيبة الاجتماعية لأيّ بلد متعدّد الثقافات. عنّا أربع سرديّات تاريخية — درزية، سنّية، شيعية، ومسيحية. ولمّا بنحكي عن الأمثلة، منساوا إنّه في مجموعة أساسية مؤثّرة على البلد منذ 300 سنة وهي المجموعة الدرزية — ما حدا بياخذها بالاعتبار. الدستور لازم ياخذ بالاعتبار هالأربع مجموعات الثقافية المكوّنة للبنان.
